التلوث الالكتروني ... خطر يهدد حياة الإنسان


د.هواري المعمري : الإدارة العامة لشئون الغاز
أصبحت الثورة العلمية في كثير من جوانبها وبالاً على الإنسان, وخطراً على صحته وتدميراً لبيئته, فالعلم هو الذي أوجد أسلحة الدمار الشامل, وهو المسؤول عن القنابل الذكية, وأدوات الترويع, وكل وسائل فناء الكون, إذن الإنسان عدو نفسه وصانع أسباب موته بيديه, وللأسف صار التسابق في ميادين العلم للفوز بقصبة السبق لا يلازمه تنافس في إيجاد الحلول العملية الصحية لإفرازات هذا التسابق العلمي المحموم.

فالإنسان بشكل متواصل يتعرض إلى سيل من الموجات الكهرومغناطيسية المنبعثة من الأجهزة الالكترونية والكهربائية كالحاسوب والتلفزيون والانترنت ومحطات تقوية شبكات الهواتف النقالة المنتشرة في المناطق السكنية وهو ما يعرف بخطر "التلوث الإلكتروني" الذي له أثر مدمر في صحة الأفراد.

فقد حذَّر بيان نشرته جمعيات بريطانية تُعنى بشؤون البيئة عبر مواقعها على شبكة (الانترنت) من خطر تلك الأجهزة المنزلية وأثرها المدمر في حياة الإنسان فهي تؤثر في الخلايا العصبية في المخ وتضعف القدرة المناعية للأجسام فتسبب الإصابة بصداع مزمن وانعدام التوازن والإرهاق الفكري والجسدي والنوم المضطرب الذي كثيراً ما يعجز الأطباء عن معرفة أسبابه.

إلا أن الأمر لا يقف عند هذا الحد فثمة مخاطر أخرى تكمن في مخلفات تلك الأجهزة التي تحوي بعض قطعها الصغيرة مواد سامة مثل الزئبق والرصاص التي تترسب في التربة لفترات طويلة وتحويلها إلى أرض غير صالحة للزراعة.

ويعتبر كل من الزجاج والبلاستيك والكربون الصلب وغاز الكلورين السام التي تكون الكم الأكبر من محتويات تلك المخلفات مواد يصعب التخلص منها أو إمكانية إعادة تصنيعها مما يجعلها مصدراً دائماً لتلويث البيئة.

فقد أظهرت إحصائية أعدتها إحدى الجامعات الأمريكية أن الشركات الأمريكية تتخلص مما يقرب من 50 مليون جهاز حاسوب قديم سنوياً عبر تصديرها إلى الصين والهند وباكستان حيث شهدت هذه البلدان وغيرها بروز صناعة جديدة لتأهيل الحواسيب المتقادمة.

(وأوضح تقرير صادر عن لجنة عملت تحت إشراف الأمم المتحدة في هذا المجال) أن ما يزيد من خطورة هذه الظاهرة هو عدم وجود قوانين تحمي العاملين في مجال التخلص من النفايات الإلكترونية التي تظهر آثارها على المدى البعيد في تلك الدول, وأكد التقرير الذي أعده نحو 1300باحث بشأن مصادر التلوث في العالم أن جهوداً "غير مسبوقة" يتعين بذلها باعتبارها ضرورية لمواجهة مثل تلك الأخطار التي تهدد حياة الإنسان.

فالمخلفات أو النفايات الإلكترونية هي أكبر مشكلة نفايات متعاظمة في العالم, ولا تكمن مشكلتها في كميتها فقط بل في مكوناتها السامة المتمثلة في عناصر البرليوم والزئبق والكادميوم فضلاً عن غاز البروم الذي ينبعث عن احتراق مكونات الأدوات الإلكترونية الذي يعتبر تهديداً للصحة وللبيئة.

ورغم هذه المخاطر نلحظ أن الخطوات الحكومية والصناعية التي اتخذت لمواجهة هذه المخاطر تعتبر متواضعة مقارنة بحجم التهديد, ويظهر هذا التقرير أسباب القصور التي تتخذه الولايات المتحدة على وجه الخصوص بجانب الدول الاقتصادية الكبرى الأخرى في تعاملها مع هذه الكارثة رغم أنها تسهم بقدر كبير في تصدير هذه النفايات إلى الدول الآسيوية النامية, ويعد الاتجار في المخلفات الإلكترونية بمثابة تصديراً للأذى. فالحريق المفتوح لهذه النفايات وأنهار الأحماض والمكونات السامة التي تمر عبر مركبات هذه النفايات تعد من أهم الملوثات للأرض والهواء والماء ومجلبة لكثير من الأمراض التي يواجهها رجال ونساء وأطفال, فالثمن الصحي والاقتصادي لهذه الممارسات باهظ جداً عند مقارنة أذى هذه الصناعة بنفعها وتظل عملية تصدير نفايات الإلكترونيات من أسرار الثورة التقنية.

• التخلص من النفايات الإلكترونية

يمكن إعادة تصنيع الحاسب الآلي, في عملية تسمى التدوير (RECYCLE) لمكوناته المختلفة والمصنوعة من البلاستيك, المعادن والزجاج, حيث يتم فرز هذه المكونات بطريقة سليمة لإعادة التدوير, فبعضها قد تكون ضارة بالبيئة إذا ما تم رميها في أماكن ردم المخلفات العامة, وبالتالي عدم التعامل معها بالطرق الفنية الملائمة والضرر منها يكون إما مباشراً على العمال أو غير مباشر على غيرهم من أفراد المجتمع , فشاشة الحاسب الآلي التي تشابه شاشة جهاز التلفزيون إلى درجة كبيرة من أخطر المكونات على البيئة إذا ما تم رميها في أماكن الردم العامة , فهي عبارة عن (أنبوبة أشعة الكاثود TUBE CATHOD RAY), تحتوي على عدة مكونات ضارة إذا ما تم استنشاق الغبار الناتج عن كسرها من هذه المكونات الرصاص حيث يحتوي أنبوب CRT على كمية كبيرة من الرصاص 2.5 كلغ في المتوسط بالإضافة إلى الرصاص الداخل في لحام القطع الإلكترونية.

فالرصاص يؤثر في الإنسان ويشكل خطراً مباشراً على الجهاز العصبي والأوعية الدموية والكلى والدماغ, وقد يؤدي التسمم بالرصاص إلى الوفاة أحياناً.

ومن ضمن هذه المكونات الفوسفور (PHOSPOURUS), وهي المادة التي تغطي الشاشة من الخلف لجعلها تضيء حين سقوط الاشعة الإلكترونية عليها, ويعتبر الفوسفور مضراً للكلى والكبد والرئتين والجهاز العصبي.

والكادميوم (CADMIUM) الموجود في الرقائق والمقاومات والبطاريات يعتبر من المعادن الثقيلة ويدخل الجسم عن طريق التنفس وهو مضر للكلى.

• عدو البيئة

تعتبر البطاريات من ألد أعداء البيئة, خاصة الأنواع (نيكل كادميوم )

NICKEL CADMIDM-NICD

ونيكل ميتل هايدرايد

NICKEL METAL HYDRIDDE

وتوجد هذه البطاريات بكثرة في أجهزة الحاسوب المحمولة وأجهزة الهاتف النقال.

كما أن المادة الموجودة على الشاشة تسمى الباريوم BARIUM ويستفاد منها لحماية المستخدم من الاشعاعات, فالباريوم خطر جداً على القلب, والأوعية الدموية والأعصاب, وما يجعل الباريوم خطراً هو قابلية ذوبان مركباته في الماء, وبالتالي سهولة اختراقه مصادر المياه, كالأنهار والمياه الجوفية.

أما الزئبق (MERCURY), وهو موجود في المفاتيح الفاصلة في الدوائر الكهربائية (CIRCUIT BREAKERS)

والبطاريات, ومن خواصه سرعة التسرب إلى المياه الجوفية واختلاطه بالدورة الغذائية لمعظم الكائنات, فالزئبق يلحق الضرر بالمخ البشري على المدى البعيد, بالإضافة إلى أعراض أخرى منها فقدان الشهية, وسوء الهضم, الإسهال, الصداع, وفقدان الذاكرة.

ويشكل البلاستيك القدر الأكبر من مخلفات الحاسب الآلي, ويحتوي الجهاز الواحد ما مقداره حوالي 6كجم من البلاستيك, وحرق البلاستيك المصنوع من مادة

POLYVINLECHLORIDE-PVC

وفي الجانب الآخر توجد مكونات أخرى غير ضارة بالبيئة, ولكن يمكن إعادة الاستفادة منها كالأسلاك النحاسية الداخلة في التصنيع والذهب المطلي على نقاط التوصيل في الألواح الإلكترونية والقطع الإلكترونية الأخرى:

خطر يهدد حياة الإنسان

• 6آلاف جهاز آلي يُرمى يومياً في الولايات المتحدة

تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 6 آلاف جهاز آلي شخصي يصبح عديم الفائدة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وحدها كل يوم, وهذه الأجهزة إما أن يتم التخلص منها بشكل آني أو يتم تخزينها إلى وقت آخر, ولكن في نهاية المطاف يتم التخلص منها في الولايات المتحدة, وحسب إحصائيات عام 1999م إن 11% فقط من الحاسبات الآلية يتم إعادة تدويرها مقارنة بـ28% من النفايات الأخرى.

والجدير بالذكر أن 70% من الثلاجات وأجهزة الغسيل والنشافات يتم إعادة تدويرها, وفي الولايات المتحدة حوالي 70% من المعادن الثقيلة مثل الزئبق والكادميوم الموجودة في حفر ردم النفايات تأتي من الأجهزة الإلكترونية, وتشكل هذه المعادن خطراً مباشراً على المياه الجوفية مما يضر بالصحة العامة للإنسان أو الحيوان.

• 4مليارات كجم نفايات الحاسب الآلي

تتوقع شركة يونيكور (UNICOR) إنه خلال السنوات الخمس القادمة سيصبح ما يقارب من 250 مليون جهاز حاسب آلي عديم الفائدة منتجاً بذلك ما وزنه 9 مليارات رطل من النفايات (حوالي 4 مليارات كجم), وقد بدأت الشركة بالفعل تدوير أجهزة الحاسب الآلي والتلفزيون منذ عام 1994 وكانت من الشركات الرائدة في هذا المجال, وتتم عملية التدوير إما بالاستفادة من معظم القطع الصالحة للاستعمال مثل المكونات الإلكترونية أو التخلص منها بطرق آمنة على البيئة.

وقد اتخذت المجموعة الأوروبية عدداً كبيراً من التوجهات التي تهدف إلى تشجيع عملية إعادة استخدام كل أنواع المخلفات بدءاً بأضخمها مثل المركبات التي انتهى عمرها والمنتجات الكهربائية الإلكترونية إلى أصغرها حجماً من البطاريات ومواد التغليف, وفي المجموعة الأوروبية تعتبر فرنسا وألمانيا من الدول الرائدة في هذا المجال.

 

هناك الكثير من قطاعات إعادة التصنيع الإلكتروني تحاول أن تبرر قيامها بهذا العمل مدعية أنها تسعى إلى تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي لبعض الشرائح الاجتماعية في الدول الفقيرة كما أن هناك الكثير من القطاعات التي تعرض حلولاً مغلفة بمنع إعادة التصنيع المباشر وتشجيع الطرق غير المباشرة أو عبر الوسطاء.



• حقائق بشعة

خلف أستار فوائد الثروة التي تزين واجهة صناعة تقنية المعلومات تقبع حقائق في غاية الظَّلمة والبشاعة, فمصادر الاستهلاك المتزايدة وتوالد النفايات المستمر يتكاثران بشكل ينذر بالخطر, حيث أصبحت صناعة الإليكترونيات من أكثر الصناعات نمواً في العالم, ونتيجة لهذا النمو الذي يتزامن مع مزيد من المنتجات المستهلكة التي أصبحت غير مرغوب بها أصبحت منابع لنفايات إلكترونية في دنيا الصناعة, وباتت هذه الكميات تشكل نسباً تنذر بكوارث في الوقت الذي بدأت فيه الدول الصناعية مجابهة هذه المشكلة, بعد أن غضت معظم الدول الطرف عنها في بادئ الأمر, وتشمل النفايات الإلكترونية المعدل المتزايد للأدوات الإلكترونية بدءاً بالأدوات المنزلية الضخمة كالثلاجات ومكيفات الهواء والهواتف النقالة المنتهية صالحيتها والحاسب الآلي بجميع مكوناته, وتعد نفايات هذه الأدوات من أكثر المخاطر المهددة للحياة للأسباب التالية:-

• مكونات سامة

تتمثل خطورة النفايات الإلكترونية, في أنها تحتوي على أكثر من 1000 مادة مختلفة, الكثير منها ذات مكونات سامة.

النفايات الإلكترونية تتوالد بشكل متزايد وذلك بسبب ارتفاع معدل التقنية المستمر والنزعة العامة لامتلاك كل ما هو مطَّور وجديد, وأصبح من النادر جداً إعادة صيانة الأدوات المعطلة وذلك بسبب سهولة الحصول على البديل الأفضل والجديد.

تعد الولايات المتحدة أكبر قوة شرائية للحاسبات الآلية, حيث يعتبر شعبها أكبر الشعوب امتلاكاً للحواسيب في العالم وأكثر الشعوب تخلصاً منها.

أكدت دارسة لعملية تجميع مخلفات إعادة التصنيع ليوم واحد أن 50% من أجهزة الحاسب الآلي التي تم جمعها في ذلك اليوم تعمل بشكل جيد إلا أنها لا توازي آخر تطورات التقنية مما يعني أن التخلص من هذه النفايات ليس مرهوناً بصلاحيتها وحسب.

في عام 2005م مثل كل حاسب آلي مادة خام لحاسب آلي جديد مما يؤكد أن اللجوء إلى إعادة التصنيع أقل كلفة من استخدام مادة خام جديدة.

ستبلغ تكلفة النفقات على المخلفات الإلكترونية في ولاية كاليفورينا وحدها 1.2 مليار دولار خلال الثلاث سنوات القادمة.

• النفايات الإلكترونية

 

أكدت التقديرات في عام 1998م أن 20مليون جهاز كمبيوتر قد أصبح مخلفاً في الولايات المتحدة, أما تقديرات الحجم الكلي للنفايات الإلكترونية فقد تراوحت بين 5 و7ملايين طن., وتتوقع الدراسة مضاعفة القيمة في الوقت الحالي مع تزايدها في النمو.

وأشارت إحدى الدراسات الأوروبية إلى أن معدل نسبة ارتفاع المخلفات الإلكترونية تتراوح بين 35% سنوياً مما يعد ثلاثة أضعاف ارتفاع نسبة النفايات البلدية. وتتوقع وكالات النفايات وإعادة التصنيع أن يزداد عدد شاشات التلفزيونات والحاسبات الآلية خلال السنوات الخمس القادمة بصورة كبيرة جداً وذلك بعد أن يتم استبدال شاشات الكاثود التقليدية الحالية بشاشات عرض الكرستال السائل (LCD) المسطحة المتطورة.

إضافة إلى الدور الذي ستلعبه تلفزيونات الوضوح العالي (HDTV) التي أصبحت في الوقت الحاضر أكثر فعالية, هذا التطور التقني يتوقع له أن يزيد من كمية التلفزيونات المخلفة بشكل كبير, كما توقعت إحدى الدراسات التي أجريت عام 1999م بواسطة "استانفورد ريورسيس" أن أكثر من 41 مليون كمبيوتر شخصي ستصبح في عداد النفايات في العام 2001م لتشير التحاليل الحالية من خلال هذه الدراسة أن في ولاية كاليفورنيا وحدها يصبح كل يوم 6000 جهاز حاسب آلي في عداد النفايات, وفي ولاية أورييغون يكون عدد الحاسبات الآلية الملقاة على صناديق النفايات يومياً 1600, ليؤكد أحد الخبراء أن هذا العدد سيبلغ 500مليون مع نهاية العام 2007م.

• إعادة التصنيع ومعوقاتها

إن قطاعات إعادة التصنيع لا تعرض أسعاراً مشجعة على المخلفات الإلكترونية ولذلك نجد أن رمي شاشة كمبيوتر لدى المستخدم لا يختلف كثيراً عن رمي قشرة برتقال, وفيما يختص بقطاعات العمل الكبرى نجد أن الحكومات والمؤسسات الكبرى تعمل على تحديث حاسبات منسوبيها الآلية بانتظام, فمثلاً نجد أن شركة مايكروسوفت البالغ عدد منسوبيها نحو 500.000موظف منتشرون بجميع أنحاء العالم (بعضهم يعمل على أكثر من حاسب آلي واحد) تعمل على تغيير حاسبات منسوبيها كل ثلاثة أعوام, هذا العدد الضخم وغيره من المستخدمين الآخرين يصرح لهم بإلقاء هذه الأجهزة على ساحات النفايات حيث تجد طريقها إلى سوق إعادة التصنيع.

هناك الكثير من الشركات الكبرى تستأجر أجهزتها من شركات لتأجير الأجهزة بنظام تعاقد زمني محدد تقوم الشركة المستأجرة بتبديل جميع الأجهزة بأخرى جديدة حسب الفترة المتفق عليها, لتقوم هي ببيع الأجهزة المستعملة إلى وسطاء الأدوات المستعملة وقطاعات إعادة التصنيع والتي في الغالب يتم تصديرها إلى خارج الولايات المتحدة.

هناك بعض شركات صناعة الكمبيوتر تمتلك مصانع لإعادة التصنيع وذلك عندما لا تجد ما يناسبها من المصانع الأخرى, فمثلاً نجد شركة (هيولت باكارد) تمتلك وحدتين لإعادة التصنيع في كل من كاليفورنيا وتينيسي كما نجد أن (IBM) لديها برنامجاً لإعادة التصنيع في نيويورك.

• وجهة النفايات القاتلة

معدل الحاسبات الآلية المستهلكة والتي تأخذ طريقها إلى مكبَّات النفايات يرتفع بشكل ينذر بكوارث مستقبلية, بينما تجري الجهود للتخلص من هذه النفايات عبر إعادة تصنيعها. نجد أن مسألة إعادة التصنيع تمر بمراحل متفاوتة تتمثل في الفرز والتفكيك والتطويع والحر ق وغيرها حيث تتم هذه العمليات بصورة عشوائية غير مدروسة وعادة ما تشكل خطورة إضافية كبيرة.

وتقول الأبحاث والدراسات الحكومية في الولايات المتحدة أن ثلاثة أرباع أجهزة الحاسب الآلي التي تم بيعها في أمريكا قد أصبحت مخلفات الآن وأخذت طريقها إلى النفايات. وبذلك علينا أن نتخيل حجم النفايات التي ستصدر عن 500مليون جهاز حاسب آلي وهو العدد المخزن في المستودعات وينتظر طريقه إلى مكبَّات النفايات.

 

وبذلك يتضح أن هذا القدر من التلوث المتنامي لن يتخطى أية دولة أو مكان على هذه الأرض, فأحوال السوق الحالية وأدوات التصنيع ومدخلاته تعمل على إعاقة النظام الصحيح لإعادة التصنيع بصورة لا تضر بالبيئة والصحة, فمعظم النفايات الإلكترونية التي يجري إعادة تصنيعها الآن هي في الواقع تم تصديرها وتم تفكيك معظمها في السجون أو تم تقطيعها بواسطة قطاعات المجتمع الفقير.

• تلويث المياه

تشير دراسة أخرى إلى أن حجم المخزون الأمريكي من أجهزة الحاسب الآلي غير المستخدمة في تزايد مستمر وسيبلغ قريباً إلى (680, 315) مليون وحدة, فكل مستهلك يملك أكثر من 23 أجهزة مهملة بمنزله على أمل أن تصبح ذات قيمة يوماً ما, إلا ان قيمة الحسابات الآلية تنهار بشكل سريع, ومع مرور الزمن لا تسوى أكثر من قيمة المادة الخام التي تتكون منها وهي أقل من قيمة إعادة التصنيع المحلي.

وتتفاوت القيمة المتبقية للأجهزة الإلكترونية ما بين 51% من قيمتها الأصلية, حتى أن كثيراً من المستهلكين لا يتقبلون حقيقة أن ما اشتروه قبل 3 أعوام فقط أصبح يساوي هذا المبلغ الضئيل مما يشجعهم على الاحتفاظ بها أكثر حتى تجد طريقها إلى مكبَّ النفايات. ففي عام 1997م سجل حجم النفايات الإلكترونية الملقاة على مكبَّات النفايات في الولايات المتحدة وحدها 2,3مليون طن مما يؤكد أن معظم مستخدمي المنازل وقطاعات العمل الصغيرة يفضلون ساحة النفايات على وسطاء إعادة التصنيع وهذا القدر الكبير من النفايات الإلكترونية سيؤثر حتى على الدول التي تدعي أنها تمتلك تقنية تمكنها من السيطرة الكاملة على مقومات البيئة وذلك من خلال تراكم المعادن والبلاستيك والمواد الكيميائية السامة التي تتكون منها أجزاء الأجهزة الإلكترونية كلوحات الدوائر وأنابيب الزجاج والأسلاك والمقاومات والمكثفات وغيرها من الأجزاء الداخلية الدقيقة.

إن أكثر من 70% من المعادن الثقيلة بما فيها الزئبق والكادميوم والقصدير التي تتواجد في مكبَّات النفايات تأتي من النفايات الإلكترونية, هذه المعادن والمكونات الإلكترونية السامة الأخرى تعمل على تلويث المياه الجوفية.

هذا ما حدث عام 2001م عندما تم منع مكبَّات النفايات المفتوحة بواسطة القانون البلدي في كاليفورنيا و ميسشوست وذلك لطبيعة هذه النفايات الشديدة السموم التي تتمثل في ثاني أكسيد الكربون الذي ينتج عن حريق النفايات وتؤدي إلى تلوث الهواء وبثاني أكسيد الحديد والنحاس وكثيراً ما تتعرض النفايات للرطوبة والأمطار مما يؤدي إلى تلوث المياه وقد يؤدي نزول المطر الحمضي إلى تشكل خطر كبير على الإنسان والحيوان وهناك بعض المنتجين يرسلون نفاياتهم الإلكترونية إلى محارق الأسمنت ليتم الاستعاضة بها بدلاً عن الوقود.

كانت إعادة الاستخدام تمثل تداولاً طفيفاً لأجهزة الكمبيوتر في الماضي القريب, فقد كان يعمد الكثير إلى إهداء الأجهزة غير المرغوب بها إلى المدارس والمؤسسات الطوعية لتقوم باستخدامها في تعليم التلاميذ مع تطوير بسيط في الذاكرة وبعض فعاليات الجهاز إلا أن المدارس امتنعت مؤخراً عن قبول الأجهزة القديمة سعياً وراء مواكبة التلاميذ للتطور التقني, ومن ناحية أخرى كانت السوق الخارجية تساهم بشكل كبير في تخفيف عبء النفايات الثقيل وذلك عن طريق الاتجار بالحاسبات الآلية المستعملة في بعض الدول ذات الاقتصاد المتواضع إلا أن اتساع رقعة المنافسة في سوق تقنية المعلومات العالمي ومعداته والذي تزامن مع الانتشار الواسع للشركات متعددة الجنسيات أدى إلى تقلص تجارة الأجهزة المستعملة, كما أن إطالة أمد استخدام الأجهزة ليست بالحل النهائي للمشكلة لأن هناك فترة زمنية معينة ومنها سيصبح هذا الجهاز أو ذاك في عداد النفايات لا محال سواء كان ذلك داخلياً أو في دولة أخرى ويظل الخطر قائماً وقد يكون أكبر وخاصة في تلك الدول التي يكون تعاملها مع هذه المسائل متواضعاً نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي.

• عواقب وخيمة

 

جميع المعلومات الحالية عن إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية تشير إلى أن هذه الفعاليات تتم في الدول النامية بصورة أكبر من تلك التي تتم بالدول المتقدمة إلا أن الدراسات لم تتطرق إلى الفروق الاقتصادية بين الدول مع الافتراض أن الأثر السلبي لهذه الأعمال في تأثيرها على البيئة والصحة يكون كبيراًُ في كلتا الحالتين., كما أن افتراض إعادة التصنيع خير من رمي النفايات الإلكترونية على الأراضي ليس بالأمر المقنع عندما يكون الناتج عن هذه الممارسات عمالاً ملوثين ومرضى صحياً, فضلاً عن مكبَّات النفايات المكشوفة وحرقها بالعراء كما هو مشهود في الدول الآسيوية, فبينما تعد عملية إعادة تصنيع المواد الضارة من أهم مسببات التلوث البيئي قد تكون هذه الممارسة من أشد الكوارث في مناطق العالم التي يقل فيها مستوى الوعي وتنعدم فيها البنية التحتية التي يسعها التعامل مع مثل هذه القضايا.

مع هذه المؤشرات الخطيرة فقد جرت التقديرات على أن 11% من إجمالي إنتاج عام 1998م من الحاسبات الآلية تم إعادة تصنيعها بما فيها تلك التي تم إرسالها خارجياً ويتوقع أن ترتفع النسبة بمعدل 18% سنوياً, وبذلك يكون حجم الحاسبات الآلية التي تم إعادة تصنيعها في العام 2002م قد بلغ 12.75مليون حاسب آلي (تشمل الشاشات ولوحات المفاتيح).

وتجري قطاعات العمل الكبرى وكبار مصنعي الأدوات الحديثة عمليات إعادة التصنيع بصورة أكبر من القطاعات الصغيرة, حيث تمثل القطاعات الكبيرة 75% من الإجمالي العام.


• غياب الرقابة

ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الوحدات لإعادة تصنيع النفايات الإلكترونية في الولايات المتحدة خاصة في ولاية كاليفورنيا وبعض الولايات الأخرى وتتركز هذه الوحدات في السجون, وتعتبر هي الأقل ثمناً مقارنة بالحلول الأخرى لمشكلة النفايات الإلكترونية, وستشغل وحدة جديدة في سجن (أتواتر – الفيدرالي بولاية كاليفورنيا) مساحة تبلغ خمسين ألف قدم مربع وتوفر 350 وظيفة لمعالجة هذه المشكلة التي تعاني منها كاليفورنيا كثيراً منذ أن منع قسم السميات والتحكم رمي الأنابيب التي تحتوي على أشعة الكاثود على مكبَّات النفايات, ونسبة لقلة أجور الأيدي العاملة المحلية اقتنع أصحاب العمل في حقل إعادة التصنيع المحليين بعدم إمكانية المنافسة حيث يتوجب عليهم مراعاة صحة وسلامة السجناء الذين يعملون وسط المكونات الضارة التي تحتويها الشاشات والمكونات الأخرى فلجأ هؤلاء إلى تصدير هذه المكونات إلى الدول النامية تحت دوافع أهمها:

• رخص الأيدي العاملة

غياب الرقابة والنظم الوظيفية في تلك الدول.. يعد تصدير النفايات الإلكترونية السامة مشروعاً في الولايات المتحدة رغم عدم قانونيته عالمياً.

ومن المعروف أن النفايات الإلكترونية تحتوي على كميات كبيرة من المكونات السامة والضارة كالرصاص والكادميوم المكون الأساسي للوحات الدوائر فضلاً عن أكسيد الرصاص وأنابيب أشعة الكاثود بالشاشات وبطاريات الكمبيوتر كما نجد الزئبق في لوحة المفاتيح والشاشات المسطحة وكلوريدات البيفنيل التي تحتويها كل من المكثفات والمحولات إضافة إلى اللهب البرومي الذي ينتج عن حرق لوحات دوائر الطابعات والأغطية البلاستيكية وكلوريدات البيفنيل.

 

الصناعات الالكترونية .. مكونات خطرة وأرباح خيالية وإثراء على حساب الفقراء

المكونات الخطرة

الرصاص: ونسبة لمكوناته الخطيرة تم إصدار قرار عام 1970م بوجوب تنقيته من الوقود لتأثيره المباشر

 

والخطير على الجهاز العصبي والدورة الدموية والكلى وجهاز المناعة لدى الجسم البشري فضلاً عن أثره السلبي على النمو العقلي للأطفال, ويتركز الرصاص في الأجهزة الإلكترونية على كل من لوحات التحكم وشاشات (58 أرطال بالشاشة الواحدة) و (بطاريات الكمبيوتر ولوحات الطابعات).

عنصر الكادميوم: هو من العناصر الفلزية ذات التأثير الخطير على جسم الإنسان عند ترسبه على الكلى والجهاز البولي, ويتركز هذا العنصر على مقاومات الشرائح وعلى المكثفات وعلى رقائق التوصيل الصغيرة, ويتواجد الكادميوم بشكل كبير على أنابيب أشعة الكاثود.

الزئبق: يعمل على تحطيم الأعضاء الداخلية وخاصة الدماغ والكلى ويؤثر سلبياً على تكوين الجنين, وينتج عن اختلاط الزئبق بالماء ميثالين الزئبق الذي يترسب داخل الأعضاء الحية بكل سهولة ويتركز على السلسلة الغذائية وخاصة الأسماك.

وتشير الدارسات أن 22% من الاستهلاك السنوي للزئبق يتم عبر المعدات الكهربائية والإلكترونية والأجهزة الطبية والهواتف المحمولة وأجهزة الاستشعار.

وازداد استعمال الزئبق بصورة كبيرة مؤخراً بعد تطوير شاشات العرض الحديثة والمسطحة التي ظهرت لتحل محل أنابيب الكاثود التقليدية.

عنصر الكروم: الذي يخترق الخلايا بسهولة لسهولة تشربه ويعمل على تحطيم الحمض النووي, ويعد من أكثر العناصر تهديداً للبيئة, وتزن الأدوات البلاستيكية التي تحتوي على عنصر الكروم نحو 13.8رطل في الكمبيوتر و26% من هذه المواد البلاستيكية تحتوي على كلوريد البوليفنيل.

الأمراض المزمنة

عنصر الباريوم: ويستخدم لحماية مستخدمي الحاسبات الآلية من الإشعاعات, وأشارت الدراسات إلى أن التعرض للباريوم لفترة قصيرة يؤدي إلى أورام المخ وضعف عضلات الجسم ويعمل على إصابة القلب والكبد والطحال بأمراض مزمنة.

البيرليوم: وهو عنصر فلزي نادر وموصل جيد للحرارة والكهرباء لذا يدخل في مكونات الحاسب الآلي وخاصة في اللوحة الأم (MOTHERBOARD) والمقابض, وتم تصنيف البيرليوم مؤخراً ضمن مسببات سرطان الرئة, وذلك من خلال استنشاق ذراته أو بلوغها الجسم بأية صورة ما, كما يؤدي تعرض العمال للبيرليوم بشكل مستمر ومباشر إلى الإصابة بأمراض جلدية مزمنة فضلاً عن الأمراض التي تعرف بأمراض البيرليوم المزمنة وهي التي تصيب الرئة.

وأشارت بعض الدراسات إلى أن الأمراض المصاحبة للبيرليوم قد تظهر حتى بعد مرور وقت طويل على التعرض له.

مسببات السرطـانـات

الأحبار: تحتوي النفايات الإلكترونية على حاويات بلاستيكية مليئة بالأحبار الملونة والسوداء, وتتكون هذه الأحبار من أخطر العناصر وهو الكربون المسبب الرئيسي لأمراض الجهاز التنفسي والسرطان حسب تصنيف الوكالة الدولية لأبحاث السرطان, كما تحتوي هذه الأحبار على معادن ثقيلة.

الفسفور وملحقاته: وهي مكونات عضوية كيميائية ومعلومات أضرارها ليست معروفة بشكل شائع إلا أن سلاح البحرية الأمريكي أوضح بعض الأضرار التي يسببها الفسفور وحذر من المساس بحطام ألواح الفسفور نظراً لما تحتويه من سميات.تدمير الدول الفقيرة أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الولايات المتحدة تغض الطرف عن تصدير النفايات الإلكترونية هي وبعض الدول الصناعية الغنية وقد استفادت من هذا الأمر كثيراً, وما زالت حتى هذه اللحظة الوجهة الوحيدة لهذه النفايات هي دول آسيا النامية رغم أن القدر الكبير لهذه النفايات السامة يصدر عن الدول الغنية اقتصادياً., ويعد تصدير هذه النفايات إلى الدول النامية هو أحد الطرق التي انتهجتها الدول المتقدمة في المعاملة مع أن هذه المشكلة مكلفة داخلياً.

حيث ازدادت في الآونة الأخيرة موجات النفايات الإلكترونية المسماة تجارة النفايات بما تحتويه من مكونات سامة إلى دول جنوب آسيا وسيظل هذا الأمر طالما العالم يحكم بوحشية القوة الاقتصادية وطالما لا توجد ضوابط لهذه الممارسة, وستظل وجهة هذه النفايات هي الدول الفقيرة تحت غطاء إعادة التصنيع.

ونتيجة الجهود المتواصلة في مواجهة حرية الاتجار بالنفايات الإلكترونية السامة كان الخروج بمعاهدة (باسيل) عام 1989م, ولهذا السبب أيضاً تم الاتفاق عام 1994م على أن تتبنى معاهدة (باسيل) التحريم التام لتصدير جميع أنواع النفايات السامة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة أياً كان السبب.

أسباب الحظر

أهم الأسباب التي أدت إلى منع الاتجار في النفايات السامة هي:-

أن تجارة النفايات السامة تعتبر غير عادلة كونها تستهدف الشريحة الفقيرة, وترهقهم ببيئتها السيئة, كما يكون الأمر أسوأ عندما يكون نصيب الضحية هزيلاً من الفوائد والدوافع.

أن تجارة النفايات السامة تسمح لمسببي هذه الكارثة بإيجاد مخرج خارجي لما ارتكبوه من جرم, وطالما كان هناك مخرج رخيص التكلفة لمشكلة هذه النفايات متمثلة في المجتمعات الفقيرة لن تسعى مصادر هذه النفايات إلى تقليل الحجم والكمية.

أن من الصعب اجتناب الأثر السام لإعادة تصنيع النفايات الضارة مهما كانت درجة التطور الذي تتمتع به قطاعات إعادة التصنيع, فهو عمل ملوث حتى في أحسن حالاته, والهدف الأساسي هو تقليل مصادر هذه النفايات وليس إعادة تصنيعها, ومن المدهش أن يعلم المستهلك أن قطاعات إعادة صناعة النفايات الإلكترونية تنقل كمية نفايات تفوق تلك التي يعاد تصنيعها بقدر كبير.

وتشير التقارير إلى أن 80% من النفايات الإلكترونية يتم تصديرها إلى الدول الآسيوية ويبلغ نصيب الصين وحدها من هذا المقدار نحو 90%., حيث تصل السفن المحملة بالنفايات إلى ميناء (ناهاي) في إقليم غوانغ دونغ بالقرب من هونغ كونغ والتي يوجد بها أكبر 4مستودعات نفايات الكترونية في العالم.

أرباح خيالية

 

من المتوقع أن ترتفع نسبة إعادة التصنيع إلى 18% في العام الواحد كما سترتفع نسبة تصدير هذه النفايات بنفس النسبة سنوياً, وسيعمل ذلك على ارتفاع نسبة تداول هذه التجارة خاصة أنها تحتوي على نسبة لا بأس بها من المعادن النفيسة كالذهب والفضة والباديوم والبلتونيوم. ويتفق وسطاء هذا النوع من التجارة في الولايات المتحدة على أن تصدير هذه النفايات يعود بأرباح تضاعف إعادة تصنيعها محلياً فضلاً عن قلة المجهود المبذول الذي يتخلل عملية التصدير كونه يحصل على تسهيلات واسعة, ويجني مصدرو النفايات الإلكترونية الثمن ثلاثة مرات:

الأول: من المستخدمين والمجلس البلدي كأجر على خدمات نقل النفايات.

والثاني: ثمن بيع هذه النفايات للوسطاء.

والثالث وهو الأهم: ثمن التخلص من هذا النوع من النفايات من الدولة حيث أشارت التقارير التي درست بعض النقاط التي وضعت لإعادة التصنيع الإلكتروني داخلياً أن كلفة جمع النفايات وإعادة تصنيعها في مركز (سان خوسي) بكالفورنيا تفوق كلفة تصديرها 10أضعاف.

وأشارت الدراسات إلى أن أعداد الحاسبات الآلية التي وجدت طريقها إلى إعادة التصنيع في العام 2002م في الولايات المتحدة بلغ حجمها 12.75مليون جهاز توجهت 2, 10مليون منها إلى آسيا أي 85% من إجمالي العدد, والغريب في الأمر أن جهات الاختصاص والحكومة الأمريكية لا تعلم شيئاً عن هذه التفاصيل ولم تعر الأمر اهتماماً بإجراء أية دارسة فيما يتعلق بهذا النوع من التجارة والتصدير الضار.

الصين

في ديسمبر من عام 2001م أجرت شبكة فعاليات باسيل (BAN) تحت غطاء منظمة السلام الأخضر القانوني في الصين وهونغ كونغ تحقيقاً للوقوف على مجريات أعمال إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية المصدرة إلى الصين, وبعد جولة ميدانية مكثفة دامت ثلاثة أيام أجرى خلالها الباحثون لقاءات وتصويراً فوتوغرافياً وتصوير فيديو مع أخذ عينات من التربة والمياه بالقرب ومن مناطق الفعاليات بقصد تحليلها, فكانت النتيجة مثيرة للاندهاش بالرغم من جهلنا التام بالعدد الفعلي لمراكز معالجة النفايات الإلكترونية بالمنطقة إلا أن ما شوهد كان كافياً للتأكد من خطورة هذا العمل فبعد أن يتم الفرز والتقطيع والجمع يقوم العمال - وغالبيتهم من القرى المحيطة - بمراكز النفايات بحرق ما تبقى لتصبح الحالة الصحية لهؤلاء العمال يرثى لها فمعظمهم مصاب بأمراض الرئة والكلى والأمراض الجلدية المزمنة نتيجة استنشاقهم اليومي لهذا المناخ الملوث فضلاً عن تناول الأكل والمياه في بيئة غير صالحة تماماً.

وباء حقيقي

أما الشيء الذي يثير التساؤل حقاً هو أن جميع مواقع النفايات الإلكترونية تقع في مناطق قروية بسيطة يعيش أهلها في ظروف اقتصادية قاسية.,فمثلاً نجد (غوياو) التي كان معظم سكانها يعيشون على زراعة الأرز في السابق وكانت من انقى المناطق مناخاً أصبحت حالياً ومنذ العام 1995م من أكبر مكبَّات النفايات في العالم وهذا بفضل السعي الحثيث من قبل الأهالي لبلوغ الحياة المدنية الصناعية ومفارقة حياة الزراعة الفقيرة.

وبالرغم من قصر مدة هذه الفعاليات بتلك المنطقة إلا أن مياه المنطقة أصبحت غير صالحة للشرب تماماً وصار أهالي المنطقة يجلبون المياه يومياً بالشاحنات من مدينة (نينجنج) التي تبعد عن (غوياو) نحو 30 كيلومتر.

وقد قدرت السلطات الصينية حجم عمالة إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية في (غوياو) وحدها بنحو عشرة آلاف شخص يتزايد عددهم يومياً, إلا أن حجم النفايات في تلك المنطقة غير محدد كونه في حركة دائمة.

و(غوياو) هي مثال بسيط لكثير من المناطق والقرى الصينية الأخرى الكثيرة التي فقدت شكلها المعهود وباتت تنام على جبال من النفايات الخطرة والتي هددت الزرع والضرع ولوثت الماء والهواء خلال 7أعوام فقط وجعلت من تلك المنطقة وباءً صحياً حقيقياً ولا تصلح للعيش فيها.

باكستان

وفي باكستان لنأخذ مدينة كراتشي مثلاً وليس حصراً حيث نجد فيها (شير شاه) أكبر سوق للأدوات المستعملة التي تصل إلى البلاد عبر التهريب أو الطرق المشروعة.

وفيها تتوفر جميع أنواع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية وقطع الغيار والحاسبات الآلية المعاد تأهيلها للاستخدام ليعاد توزيعها على بقية المدن الباكستانية الأخرى, وتخدم (شير شاه) كسوق مفتوح لا تسيطر عليه الحكومة بأي حال من الأحوال. وتكثر فيها مستودعات النفايات الضخمة التي تأتي من معظم دول العالم فبالإضافة إلى أمريكا نجد نفايات الكترونية تأتي من دول مثل: استراليا واليابان وانجلترا وسنغافورة إضافة إلى بعض دول الخليج العربي.

قليل من البحوث كشفت أن باكستان تجري فعاليات إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية في بيئة لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في الصين, ويتضح من ذلك أن هجرة نفايات الغرب إلى آسيا ليست مقصورة على الصين, إلا أن باكستان لا تملك البنية التحتية التي تمكنها من اتخاذ الإجراءات الكفيلة بإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة التي باتت تهدد مواطنيها وبيئتها كالتي بدأت تتخذها الصين., وبالرغم من قلة حجم النفايات الإلكترونية في باكستان والهند مقارنة بالصين إلا أن التهديد في هذه الدول يعتبر أخطر وأكبر حيث تجري فعاليات إعادة التصنيع دون استخدام أبسط أنواع الوقاية.

الهند

وفي الهند تتركز إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية في المناطق التي تحيط بنيودلهي حيث يوجد في هذه المناطق أكبر مستودعات وأسواق النفايات المستوردة التي تدخل البلاد عبر الموانئ الغربية, وتعد مدنية دبي الإماراتية من أهم المنافذ التي تغذي منطقة دول شبه القارة الهندية بالنفايات الإلكترونية, وحول نيو دلهي نجد مناطق (ماندولي) و(سدار بازار) و(كانتي نغار) و(أولدسالم بور) وغيرها من المناطق التي أصبحت موبوءة بالتلوث الصادر عن فعاليات إعادة تصنيع النفايات الإلكترونية.

وقد نظم وسطاء وتجار هذه السلعة أنفسهم ويوجد الكثير من الوسطاء الذين يجمعون هذه النفايات في الخارج وخاصة مدينة دبي حيث تعتبر ملتقى طرق السفن القادمة من الغرب ومن بين هؤلاء الوسطاء الذين كونوا ثروة كبيرة من هذه التجارة نجد (تشاندر موهان) الذي يتخذ من دبي مقراً لنشاطه.

وقد أصيب الباحثون الميدانيون لجمعية رابطة السموم الهندية بدهشة كبيرة عند زيارتهم لمناطق إعادة تصنيع هذه النفايات لما وجدوه من نسبة تلوث عاليه إضافة إلى العديد من الأمراض الجلدية والرئوية حتى أن العديد من تلك الأمراض لم يتم تحديده ومعرفته بعد.

وفي هذه الدول الثلاث لوحظ استخدام أعداد كبيرة من النساء والأطفال القصَّر في هذه الأعمال وخاصة لفصل مكونات الأجهزة الإلكترونية وهي من أخطر المراحل للاتصال المباشر بالمكونات الخطيرة وخاصة تلك التي تكون لوحات الدوائر, كما يعمل هؤلاء الأطفال على إضرام النار واستنشاق العناصر الأولية الناتجة عن الاحتراق مما يؤثر كثيراً على صحة الأطفال والنساء والأجنة داخل بطون العاملات., كما عرفنا إن المخلفات سواء الكهربائية أو الإلكترونية بشكل عام التي تسمى بـ(E-WASTE) تشمل الأجهزة الكبيرة كالثلاجات الكهربائية والغسالات وأجهزة التكييف والأجهزة المتوسطة الحجم والأجهزة الصغيرة الحجم كأجهزة الحاسب الآلي والهاتف والستريو ولمبات الفلورسنت وغيرها.

وبعد معرفتنا لمخاطر المخلفات الإلكترونية وما تسببة من أضرار على البيئة والإنسان نتساءل: أين تذهب أجهزة الحاسب الآلي القديمة؟ وهل هناك إحصائيات بهذا الخصوص؟ ومن هي الجهة أو الجهات التي تقوم بتفكيك هذه الأجهزة إن وجدت؟ وهل هناك رقابة من أي نوع؟

والجدير ذكره هنا أنه من المهم وضع استراتيجيات تتعلق بالمخلفات الكهربائية والإلكترونية, وإيجاد آلية للتخلص منها, لما لهذا النوع من النفايات من خطورة على البيئة والإنسان, كما أنه يجب زيادة درجة الوعي لدى المواطنين بهذه الخطورة بالتركيز على الوعي الطلابي في المدارس بشكل خاص وفي المؤسسات بصورة عامة, بعد أن أصبح الحاسب الآلي متوفراً في كل المؤسسات واستخدامه لدى الأفراد يزداد يوماً بعد يوم, مما سينعكس على حجم النفايات الإلكترونية الناتجة عن ذلك الاستخدام.

فهل آن الأوان لإيجاد إحصائيات للنفايات الإلكترونية في بلادنا, وكم منها يتم التخلص منه بالطرق الاعتيادية؟ وهل يتم كسر الشاشات القديمة في صناديق القمامة في الإحياء السكنية أو في المؤسسات كالمدارس والمعاهد لأخذ المواد الصالحة منها؟ أم يتم رمي الشاشات سواء مرقاب الحاسب الآلي أو شاشات التلفزيون والألواح الإلكترونية في أماكن ردم النفايات؟

التعرض لمادة الباريوم لفترة قصيرة يؤدي إلى أورام المخ وضعف عضلات الجسم وإصابة القلب والكبد

هل آن الأوان لإيجاد إحصائيات ميدانية دقيقة للنفايات الإلكترونية التي تلقى دون ضوابط في اليمن

تحية صادقة.. لكل من يتصفحنا ليقرأ اليمن النفطي والمعدني من خلال هذه الواجهة الالكترونية التي تشكلت موقعاً ضافياً، وانفتحت نافذةً هامة من خبرٍ ومعلومة، تصل العالم بنا وتوصلنا إليه، وتقدم اليمن الذي يجدر أن يتعرف الآخرون على واقعه الخصب..

موقعنا هذا- وغيره الكثير- لا يعدو عن كونه مجرد صورة مصغرة ومعلومة مبسطة لواقعٍ كبير- كبير، لا تسعه الصورة ولا تستوعبه المعلومة أو تغني عن ولوج بوابته ومعايشته حقيقة حية تلهم الحواس وتستثير فضولك لمعرفة ما لا تقوله واجهات المواقع، ولاكتشاف بلدةٍ طيبة، غنية بظواهرها وكوامنها، تتيح أفضل الفرص الاستثمارية المغرية بأكبر قدر من المزايا والتسهيلات لتشجيع الاستثمار في شتى المجالات، وعلى رأسها قطاع البترول والمعادن- المجال الذي لم تتكشف أسراره الكامنة بعد، وما يزال بيئة مفتوحة لاستثمارٍ دائم التجدد، لا يتوقف عند حدود الثروات النفطية والغازية فحسب، ولا ينتهي عند كنوز هائلة من الثروات المعدنية التي تؤكد الدراسات العلمية توفرها بكميات ضخمة ينتظرها مستقبل واعد لا يمكن أن تخطئه العين.

بناء على هذه المعطيات القائمة سيظل اليمن يجدد دعوته الدائمة للرساميل الوطنية والعربية والاجنبية إلى الاستثمار الحقيقي في هذه المجالات، ومواصلة الانفتاح على فضاءات واسعة من شراكة جادة تتهيأ فرصها ومناخاتها في اليمن بلا حدود، وتحظى بمزايا ومغريات استثمارية مشجعة، وبساطة إجراءات، ومعايير شفافية دولية،

نحن نتحدث عن يمنٍ لم يُستنزف بعد، وبلدٍ حديث عهدٍ بثروة ظلت قيد الغموض ردحا طويلا من الزمن حتى دشنت بها الثمانينيات عقدها الأول عبر اكتشاف بئر مارب.. ومابين زمنين، ثمة تحولات عملاقة صنعت يمناً نفطيا تقف خارطته الاستكشافية الواسعة اليوم على 12 قطاعاً إنتاجيا، و38 قطاعاً استكشافياً، بالإضافة إلى شركات بترولية عالمية. منها 10 شركات إنتاجية و16 شركة استكشافية وحوالي 40 شركة خدمية، ومصفاتان، وثلاثة موانئ تصدير، قدرات يمنية خالصة وكفاءات عالية، وقاعدة معلوماتية متكاملة، فضلاً عن التهيؤ للانتقال من اليابسة إلى البحر والصحراء بحثاً عن موارد جديدة لمستقبل بلدٍ يحاول بكل ما أوتي من جهد وإمكانات- الوقوف على منصة صلبة يؤسس بها لانطلاقة وثابة تضعه في المكان الملائم على الخارطة النفطية والمعدنية العالمية، وتجعله البيئة الجاذبة للاستثمارات والقادرة على استقطاب أكبر المشاريع والشركات العالمية.

 

 

أ/أحمد عبدالله ناجي دارس

وزير النفط والمعادن


الإحصاءات

الأعضاء : 4
المحتوى : 272
دليل المواقع : 11
عدد زيارات المحنوى : 305126

الأرشيف